/ الفَائِدَةُ : ( 3 ) /
19/03/2026
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ. /مَاهِيَّةُ النُّبُوَّةِ وَالإِمَامَةِ: بَيْنَ جَوْهَرِيَّةِ النُّورِ وَعَرَضِيَّةِ النَّاسُوتِ / /كُنْهُ الذَّاتِ المُحَمَّدِيَّةِ: لُجَّةُ الوَحْيِ الأَزَلِيَّةِ وَآفَاقُ المَدَدِ الغَيْبِيِّ الغَيْرُ مُتَنَاهِيَة/ إِنَّ جَوْهَرَ النُّبُوَّةِ وَكُنْهَ الإِمَامَةِ الإِلَهِيَّةِ يَتَعَالَيَانِ عَنِ الِانْحِصَارِ فِي القَالَبِ النَّاسُوتِيِّ ؛ فَهُمَا حَقِيقَةٌ نُورَانِيَّةٌ مُجَرَّدَةٌ تَتَجَلَّى عَبْرَ مَرَاتِبِ الوُجُودِ العُلْوِيَّةِ ، حَيْثُ يُمَثِّلُ الغَيْبُ مَرْكَزَ الحَقِيقَةِ وَمَدَارَهَا ، بَيْنَمَا يَقْتَصِرُ الجَسَدُ عَلَى دَوْرِ المَظْهَرِ وَآيَةِ التَّجَلِّي . وَهَذَا مَا تُشِيرُ إِلَيْهِ بَيَانَاتُ الْوَحْيِ ، مِنْهَا : ١ـ بَيَانُ قَوْلِهِ (جَلَّ قَوْلُهُ) الْوَارِدُ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) : [مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى](1). بِتَقْرِيبٍ : أَنَّ الِاسْتِقْرَاءَ المَوْضُوعِيَّ لِسِيَاقِ هَذِهِ الآيَاتِ المُبَارَكَةِ يَكْشِفُ عَنْ أَنَّ عَائِدِيَّةَ الضَّمِيرِ (هُوَ) تَرْتَدُّ إِلَى كُنْهِ ذَاتِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ؛ إِذْ هِيَ المَرْجِعُ الأَسْمَى لِلضَّمَائِرِ المُسْتَكِنَّةِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى : {صَاحِبُكُمْ} وَ{يَنْطِقُ} . وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ مَلَكُوتِيَّةٌ عَلَى أَنَّ حَقِيقَتَهُ الشَّرِيفَةَ قَدْ صَارَتْ عَيْنَ الوَحْيِ وَجَوْهَرَ مَعْدِنِهِ . ثُمَّ إِنَّ اِصْطِفَاءَ التَّعْبِيرِ بِالفِعْلِ المُضَارِعِ (يُوحَىٰ) يَنْصَرِفُ دَلَالِيًّا إِلَى إِفَادَةِ "الِاسْتِمْرَارِ التَّجَدُّدِيِّ" وَالدَّيْمُومَةِ السَّرْمَدِيَّةِ ؛ بِمَا يُبَرْهِنُ عَلَى أَنَّ ذَاتَهُ المُقَدَّسَةَ بَحْرُ وَحْيٍ زَخَّارٌ ، لَا يَعْتَرِيهِ انْقِطَاعٌ وَلَا يَحُدُّهُ نَفَادٌ ، مُمْتَدّاً مِنْ مَبْدَأِ التَّخْلِيقِ إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ فِي عَوَالِمِ الُّظُهُورِ . 2 ـ بيَانُ قَوْلِهِ (عَزَّ قوله) فِي مَعْرِضِ الكَشْفِ عَنْ كُنْهِ حَقِيقَةِ ذَاتِ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) : {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ}(2) . وَتَقْرِيبُ هَذِهِ الدَّلَالَةِ يَنْجَلِي بِوُضُوحٍ مِمَّا سَلَفَ ؛ مِنْ خِلَالِ التَّعْبِيرِ عَنْ "فَصْلِ ذاتِ" سيِّد الَأنبياء (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُضَارِعِ (يُوحَىٰ) ، الدَّالِّ بِوَضْعِهِ اللُّغَوِيِّ عَلَى التَّجَدُّدِ الِاسْتِمْرَارِيِّ وَالدَّيْمُومَةِ السَّرْمَدِيَّةِ . فَأَضْحَتْ ذَاتُهُ(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) القُدْسِيَّةُ خِضَمًّا فَيَّاضًا مِنْ بِحَارِ الوَحْيِ ، تَعِبُّ عُبَابَهَا وَتَتَدَافَعُ أَمْوَاجُهَا بِلَا انْقِطَاعٍ . وَلَمَّا كَانَ هَذَا الوَحْيُ هُوَ "الفَصْلَ المُمَيِّزَ" لِمَاهِيَّتِهِ الشَّرِيفَةِ ، وَبِهِ بَانَ عَنْ سَائِرِ بَنِي النَّوْعِ البَشَرِيِّ ، بَلْ وَتَعَالَى عَنْ مُطْلَقِ المُمْكِنَاتِ ؛ فَقَدْ صَارَ صِفَةً لَازِمَةً لَا تَنْفَكُّ عَنْ حَقِيقَتِهِ أَبَدًا ، سَوَاءٌ فِي نَشْأَةِ هَذَا العَالَمِ المَادِّيِّ أَمْ فِي العَوَالِمِ السَّابِقَةِ وَاللَّاحِقَةِ . وَمِنْ هُنَا، نَصَّتِ البَيَانَاتُ الوَحْيَانِيَّةُ الوَارِدَةُ فِي شَأْنِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي غَوَابِرِ العَوَالِمِ نَبِيًّا مُرْسَلًا لِكُمَّلِ المَخْلُوقَاتِ ، بَلْ لِقَاطِبَةِ المَوْجُودَاتِ . فَانْظُرْ : أَوَّلاً : بيانه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) : « كُنْتُ نبيّاً وآدم بين الماء والطِّين » أَو « بين الرُّوح والجسد »(3). ثانياً : بيان الإِمامين الصَّادقين (صلوات اللّٰـه عليهما) : « إِنَّ الله خلق الخلق وهي أَظلَّة ، فأَرسل رسوله مُحمَّداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) فمنهم مَنْ آمن به ، ومنهم مَنْ كذَّبه ، ثُمَّ بعثه في الخلق الآخر ؛ فآمن به مَنْ كان آمن به في الأَظلَّة ، وجحده مَنْ جحد به يومئذ ، فقال : [فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ](4)»(5). ثالثاً : بيان الإِمام الصَّادق (صلوات اللّٰـه عليه) ، عن المُفَضَّل بن عمر ، قال : « ... يا مُفَضَّل ، أَمَا علمتَ أَنَّ الله (تباركٰ وتعالىٰ) بعث رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) وهو روح إِلى الأَنبياء (عَلَيْهِم السَّلاَمُ) وهم أَرواح قبل خلق الخلق بأَلفي عام ؟ قلتُ : بلىٰ ، قال : أَمَا علمتَ أَنَّه دعاهم إِلى توحيد الله وطاعته واِتِّباع أَمره ، ووعدهم الجنَّة علىٰ ذلك ، وأَوعد مَنْ خالف ما أَجابوا إِليه وَأَنكره النَّار؟ قلتُ : بلىٰ ... »(6). رابعاً : بيانه (صلوات اللّٰـه عليه) أَيضاً : « ما بَعَثَ الله نبيّاً أَكرم من مُحمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) ، ولا خلق الله قبله أَحَداً ، ولا أَنذر الله خلقه بأَحد من خلقه قبل مُحمَّد ، فذلك قوله تعالىٰ : [هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى](7) ، وقال : [إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ](8) ، فلم يكن قبله مُطاع في الخلق ، ولا يكون بعده إِلى أَنْ تقوم السَّاعة ، في كُلِّ قرنٍ إِلى أَنْ يرث الله الأَرض وَمَنْ عليها »(9). وَفِي هَذِهِ النُّصُوصِ كِفَايَةٌ لِمَنْ أَرَادَ الِاسْتِبْصَارَ ، فَدَلَالَتُهَا جَلِيَّةٌ لَا اعْتِيَاصَ فِيهَا وَلَا غُبَارَ عَلَيْهَا . ثُمَّ إِنَّ خَصِيصَةَ (عَدَمِ تَنَاهِي وَحْيِ الذَّاتِ) تُمَثِّلُ مَقَاماً لَاهُوتِيّاً اِسْتَأْثَرَ بِهِ سَيِّدُ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) دُونَ سِوَاهُ ؛ إِذْ لَمْ يُثْبِتْهَا القُرْآنُ لِغَيْرِهِ قَطُّ ، بَلْ حَتَّى فِي مَقَامِ الحَدِيثِ عَنِ الكِتَابِ المُنَزَّلِ عَبَّرَ بِصِيغَةِ المَاضِي : {أَوْحَيْنَا} ، المُنْبِئَةِ عَنِ التَّمَامِ وَالفَرَاغِ . بَيْنَمَا فِي حَقِّ ذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ ، اِسْتُخْدِمَتْ صِيغَةُ المُضَارِعِ : {يُوحَىٰ إِلَيَّ} ، لِتُفِيدَ بِوَضْعِهَا الِاشْتِقَاقِيِّ الِاسْتِمْرَارَ السَّرْمَدِيَّ ، وَالتَّجَدُّدَ الذَّاتِيَّ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الِانْقِطَاعَ . فَتَأَمَّلْ بَيَانَ قَوْلِهِ (تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ) : [وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا](10). حَيْثُ جَاءَ التَّعْبِيرُ عَنِ الرُّوحِ (بِمَا هِيَ مَنْزُولٌ) بِلَفْظِ المَاضِي ، وَدَلَالَةُ ذَلِكَ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الوَحْيِ التَّشْرِيعِيِّ وَالوَحْيِ الذَّاتِيِّ جَلِيَّةٌ لَا اعْتِيَاصَ فِيهَا . /الفَرْقُ الجَوْهَرِيُّ فِي تَرَاتِبِ الوَحْيِ/ وَمِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ ، يَنْجَلِي أَنَّ وَحْيَ ذَاتِهِ المُقَدَّسَةِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) يَتَعَالَى بِرُتَبٍ وُجُودِيَّةٍ عَنْ عَالَمِ الآخِرَةِ الأَبَدِيَّةِ ؛ وَذَلِكَ بِمُقْتَضَى السُّمُوِّ الِارْتِقَائِيِّ لِمَقَامَاتِهِ العَلِيَّةِ فِي حَضَرَاتِ العَوَالِمِ النُّورِيَّةِ الصَّاعِدَةِ ، الَّتِي تَقْصُرُ عَنْ إِدْرَاكِ شَأْوِهَا غَايَاتُ المُمْكِنَاتِ . /الِاتِّحَادُ المَعْرِفِيُّ بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَالإِمَامَةِ/ وَيَنْجَلِي مِمَّا سَلَفَ : أَنَّ كَمَالَ المَعْرِفَةِ بِـ**"الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ"** يَرْتَهِنُ بِإِدْرَاكِ شُؤُونِهِ القُدْسِيَّةِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فِي قَاطِبَةِ العَوَالِمِ السَّالِفَةِ وَالآنِفَةِ ؛ بَدْءاً مِنْ بَوَاكِيرِ فَجْرِ عَالَمِ الإِمْكَانِ ، وَوُصُولاً إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ ، وِفْقاً لِمَا أَصْحَرَتْ بِهِ بَيَانَاتُ الوَحْيِ المَعْصُومَةُ . وَعَلَى هَذَا النَّسَقِ الرَّصِينِ ، تُسْتَجْلَى حَقِيقَةُ "الإِمَامَةِ الإِلَهِيَّةِ" ؛ إِذْ هُمَا نُورَانِ يَنْهَلَانِ مِنْ مَشْرَبٍ وَاحِدٍ ، وَيَتَّحِدَانِ فِي جَوْهَرِ المَعْدِنِ وَالصِّفَاتِ ، وَلَا يَفْتَرِقَانِ إِلَّا بِمَا خَصَّتْهُ الضَّرُورَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ . وَهَذَا مَا تَظَافَرَتْ عَلَيْهِ بَيَانَاتُ الوَحْيِ ، مِنْهَا : 1ـ بَيَانُ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ مُخَاطِباً أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ (صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِمَا وَعَلَىٰ آلِهِمَا) : « ... يا أَبا الحسن ... وما أَكرمني الله بكرامةٍ إِلَّا أَكرمكَ بمثلها ... »(11). 2ـ بَيَانُ الإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللّٰهِ عَلَيْهِ) : « كُلُّ ما كان لمُحمَّدٍ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) فلنا مِثله إِلَّا النُبُوَّة والأَزواج »(12). فَالوَحْدَةُ فِي السَّنْخِ وَالمَقَامِ بَيْنَ الأَصْلِ وَالفَرْعِ بَيِّنَةٌ ، لَا يَعْتَرِيهَا رَيْبٌ وَلَا غُمُوضٌ . وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) النَّجْم : 2ـ4 . (2) الْكَهْف : 110 . (3) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 18: 278 . (4) يُونُس : 74 . (5) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 5: 259/ح64. (6) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 39: 194ـ195/ح5. عِلَلُ الشَّرَائِعِ : 65. (7) النَّجْم : 56 . (8) الرَّعْد : 7 . (9) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 16: 371/ح82. (10) الشُّورَى : 52 . (11) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 24: 64/ح49. (12) بِحَارُ الأَنْوَارِ ، 26: 317/ح83 . تَفْضِيلُ الأَئِمَّةِ : (مَخْطُوط)